ليست كل لحظة سياسية تُنتج قاعدة قانونية، وليس كل توافق بين أطراف الأزمة يستطيع، بمجرد التوقيع عليه، أن يرتقي إلى مرتبة النص الدستوري أو التشريع النافذ؛ فبين السياسة والقانون منطقة فاصلة لا يجوز طمس حدودها، وإلا تحولت الضرورة السياسية إلى مصدر للشرعية، وتحول التوافق إلى سلطة فوق المؤسسات، وغدا الطريق إلى إنهاء المرحلة الانتقالية طريقًا آخر لإنتاج مرحلة انتقالية جديدة، ومن هذا المنظور تكتسب وثيقة "اتفاق الأطراف المشاركة في الاجتماع المصغر حول تنفيذ خارطة الطريق السياسية التي تسيرها الأمم المتحدة (4+4)"، الموقعة في تونس بتاريخ (20 أوت 2026م)، أهمية استثنائية؛ لا لأنها تقترح حلولًا للانسداد السياسي فحسب، وإنما لأنها تطرح، في بعض أحكامها، سؤالًا أعمق يتعلق بمصدر الشرعية ذاتها، وحدود سلطة الأطراف السياسية، وموقع مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، وطبيعة الدور الذي يجوز أن تضطلع به بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، ومدى إمكانية أن يتحول اتفاق سياسي إلى أداة لتعديل الإطار الدستوري والقانوني القائم، وقد جاءت الوثيقة، بحسب ديباجتها، عقب مشاورات بين أطراف ليبية سياسية ومؤسسية برعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، لمعالجة حالة الانسداد السياسي واستكمال مسارين أساسيين من خارطة الطريق، هما إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وتعديل الأطر القانونية والدستورية اللازمة لإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية، وكما هو مُعلن فقد أكدت البعثة الأممية، في إعلانها عن اختتام الاجتماع المصغر، أن النقاشات انتهت إلى الاتفاق على أول مرحلتين من خارطة الطريق، مع الاتجاه إلى استكمال ترتيبات التنفيذ داخل ليبيا.
والحقيقة أن الغاية التي ينشدها الاتفاق لا خلاف على مشروعيتها السياسية والوطنية؛ فإعادة بناء المؤسسات، وإنهاء الانقسام، وإجراء انتخابات عامة، واستعادة الشرعية المستندة إلى الإرادة الشعبية، كلها أهداف لا يختلف عليها من ينشد دولة القانون. غير أن مشروعية الغاية لا تكفي وحدها لإضفاء المشروعية على الوسيلة؛ فالدولة الدستورية لا تقاس فقط بما تريد مؤسساتها الوصول إليه، وإنما كذلك بالطريق الذي تسلكه للوصول إليه، ومن هنا فإن السؤال القانوني الأول الذي يفرض نفسه هو: ما الطبيعة القانونية لهذا الاتفاق؟ فإذا كان مجرد تفاهم سياسي بين أطراف شاركت في اجتماع مصغر، فإنه يظل في حدود الالتزام السياسي والأخلاقي بين أطرافه، ويُمكن أن يشكل أساسًا لخارطة طريق أو مشروع توافق. أما إذا أريد له أن يكون مصدرًا لتعديل الدستور أو إلغاء القوانين أو إنشاء اختصاصات جديدة أو نقل السلطة التأسيسية من مؤسسة إلى أخرى، فإن الأمر يتغير جذريًا؛ لأن التوافق السياسي لا يتحول بذاته إلى قاعدة دستورية، ولا يصبح الاتفاق قانونًا لمجرد أن الموقعين عليه وصفوه بأنه كذلك.
وهنا تكمن أولى المفارقات التي تستوقف الباحث الدستوري؛ فالوثيقة تقول إنها جاءت لتوثيق "التفاهمات المشتركة"، ثم تنتقل في المادة الخامسة إلى تقرير أن الأطراف تعمل على اعتمادها وطنيًا عبر "آلية وطنية واسعة التمثيل" تكفي لإضفاء صفة الوثيقة الدستورية عليها، بل وتفتح الباب لاعتمادها دوليًا عبر مجلس الأمن إذا لم يتمكن مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة من الموافقة عليها بصيغتها الموقعة خلال شهر.
وهنا يبرز السؤال الذي لا يستطيع الباحث القانوني تجاوزه: من الذي يملك منح الاتفاق صفة الوثيقة الدستورية؟ وما هي الآلية الدستورية التي تسمح بذلك؟ فالدستورية ليست وصفًا أدبيًا، وإنما أثر قانوني؛ ولا يصبح النص دستوريًا لأن أطرافًا سياسية اتفقت على تسميته كذلك، وإنما لأن الشعب أو السلطة التي خولها الدستور ذلك قد اعتمدته وفق الإجراءات الدستورية المقررة.
وهذا يقودنا إلى الإعلان الدستوري الصادر في (3 أغسطس 2011م) وتعديلاته، بوصفه المرجعية الدستورية الانتقالية التي ظلت تنظم السلطات العامة ومصادر اختصاصها، وتقرر أن الشعب هو مصدر السلطات، وأن ممارسة السلطة لا تنفصل عن الإطار الدستوري الذي يحكمها.، والذي في ضوء أحكامه؛ ينبغي التمييز بدقة بين ثلاثة أمور كثيرًا ما تختلط في المراحل الانتقالية: التوافق السياسي، والتشريع، والتعديل الدستوري. فالأول يمكن أن يمهد للثاني والثالث، لكنه لا يحل محلهما، ومن الخطأ المنهجي أن يُقال إن اتفاقًا سياسيًا يستطيع أن يعدل قاعدة دستورية أو يُلغي حكمًا قانونيًا لمجرد أن أطرافه ارتضت ذلك.
وتزداد المسألة خطورة عند قراءة المادة السابعة من الاتفاق، التي تقرر أن الأحكام والشروط المحددة فيه "تحل محل جميع الأحكام المخالفة الواردة في الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات". فهذه العبارة ليست مجرد صياغة سياسية؛ إنها تحمل أثرًا معياريًا مباشرًا، لأنها تفترض أن الاتفاق يمتلك قدرة الإلغاء والاستبدال. والسؤال هنا: من أين استمد الاتفاق هذه القوة؟ فإذا كان قانونًا، فمن أصدره؟ وإذا كان تعديلًا دستوريًا، فأين آلية تعديله؟ وإذا كان اتفاقًا سياسيًا، فكيف يمكن لاتفاق سياسي أن يلغي قانونًا أو يعدل قاعدة دستورية؟ إن القانون لا يُلغى لأن وثيقة سياسية أعلنت حلولها محله، وإنما يُلغى بقاعدة لاحقة صادرة عن الجهة صاحبة الاختصاص ووفق الإجراءات المقررة، والدستور لا يُعدل بإرادة سياسية مجردة وإنما وفق الآلية التي اعتمدها النظام الدستوري ذاته.
ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته "المنطق في اللامعقول"؛ ذلك أن الاتفاق يريد بناء دولة المؤسسات، لكنه قد يستخدم في سبيل ذلك آلية تتجاوز بعض المؤسسات؛ ويريد إنهاء أزمة الشرعية، لكنه يغامر بإنتاج مصدر جديد للنزاع حول الشرعية؛ ويريد الوصول إلى الانتخابات، لكنه يتدخل في قواعد انتخابية وتشريعية يفترض أن تصدر عن السلطة المختصة؛ ويريد تكريس الملكية الليبية للعملية السياسية، لكنه يفتح الباب في المادة الخامسة لاعتماد الاتفاق دوليًا إذا تعذر توافق المؤسسات الوطنية عليه. وهكذا قد تصبح الوسيلة التي يُفترض أنها تعالج أزمة الشرعية مصدرًا جديدًا لأزمة الشرعية.
وتتضح هذه المفارقة بصورة أكبر عند النظر إلى موقع مجلس النواب. فالوثيقة شارك فيها أعضاء من مجلس النواب وأعضاء من المجلس الأعلى للدولة، إلى جانب ممثلين عن حكومة الوحدة الوطنية والقيادة العامة. ولا شك أن مشاركة الشخصيات السياسية والمؤسسية في الحوار أمر محمود، لكن ينبغي ألا نخلط بين مشاركة أعضاء في اجتماع سياسي وبين ممارسة المؤسسة ذاتها لاختصاصاتها الدستورية. فعضو مجلس النواب، بصفته الشخصية أو بصفته ممثلًا في اجتماع تفاوضي، لا يصبح مجلس النواب كله، ولا يستطيع بالضرورة أن ينقل اختصاصًا دستوريًا من المؤسسة التي ينتمي إليها إلى اجتماع سياسي لم ينشأ بوصفه سلطة دستورية.
وإذا قيل إن هؤلاء الأعضاء مفوضون، فإن السؤال التالي يصبح: ما مدى هذا التفويض؟ وهل يملك التفويض أن ينقل اختصاصًا تشريعيًا أو دستوريًا؟ وهل يجوز التنازل عن اختصاص دستوري أو إحلال آلية سياسية محله؟ وهي أسئلة لا تكفي الإجابة عنها بالقول إن الاتفاق تم برعاية الأمم المتحدة؛ لأن الرعاية الدولية لا تنشئ اختصاصًا دستوريًا غير موجود أصلًا.
ومن أكثر النصوص إثارة للتأمل في هذا السياق المادة الثالثة، التي تعتمد القانون رقم (10 لسنة 2014م) إطارًا للانتخابات التشريعية، ثم تقرر أن البرلمان المنتخب الجديد تكون له سلطة معالجة مسائل الدستور الدائم، بما في ذلك اعتماده، وقد يبدو هذا الاقتراح، من الناحية السياسية، مخرجًا عمليًا من مأزق المسار الدستوري، لكنه يثير من الناحية القانونية سؤالًا جوهريًا: هل يجوز لاتفاق سياسي أن يمنح برلمانًا لم يُنتخب بعد سلطة تأسيسية لم تتقرر له صراحة في الإطار الدستوري النافذ؟ إن المسألة هنا لا تتعلق فقط بتنظيم الانتخابات، وإنما بتحديد صاحب السلطة التأسيسية، وهي من أعمق مسائل القانون الدستوري.
والأمر لا يقف عند هذا الحد؛ فالاتفاق يقرر في المادة الثانية اعتماد القانون رقم (28 لسنة 2023م) أساسًا للانتخابات الرئاسية، ثم يقترح تعديلات جوهرية في شروط الترشح وآلية الاقتراع، من بينها السماح لمزدوجي الجنسية بالترشح مع وضع ضمانات للتخلي عن الجنسية غير الليبية قبل أداء اليمين الدستورية، والسماح للعسكريين بالمشاركة في الانتخابات الرئاسية مرشحين وناخبين وفق ضمانات قانونية وتنظيمية تضمن حياد المؤسسة العسكرية، وإلغاء الجولة الثانية الإلزامية متى حصل أحد المرشحين على الأغلبية المطلقة (50+1)، ومراجعة أحكام الطعون، وتحديد عدد التزكيات المطلوبة للمرشح الرئاسي بعشرين ألف تزكية من الناخبين المسجلين من مختلف أنحاء ليبيا، فضلًا عن فك الارتباط بين نتائج الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وهذه كلها موضوعات قابلة للنقاش السياسي والقانوني، وبعضها قد يكون ضروريًا لإزالة العقبات الانتخابية، ولكنها في نهاية الأمر تحتاج إلى أن تتحول إلى قواعد قانونية نافذة عبر السلطة المختصة، لا أن تكتسب قوتها بمجرد إدراجها في وثيقة سياسية.
وفي موضوع مزدوجي الجنسية، مثلًا، قد يكون فتح باب الترشح محاولة لمعالجة أحد أسباب الجدل السابق حول شروط الترشح، غير أن المسألة ترتبط بمركز رئيس الدولة وشروط تولي الوظائف العامة والولاء الوطني ومبدأ المساواة بين المواطنين، ولذلك فإن الفرق بين اقتراح تعديل الشرط وإجراء التعديل يجب أن يظل واضحًا؛ فالوثيقة تستطيع أن تقترح، وتتوافق، وتوصي، لكنها لا تستطيع أن تستبدل الجهة صاحبة الاختصاص.
أما السماح للعسكريين بالترشح والانتخاب، فإنه من المسائل التي تحتاج إلى معالجة أكثر تفصيلًا مما ورد في النص؛ لأن القضية ليست فقط حق العسكري في المشاركة السياسية، وإنما كيفية ضمان ألا تتحول القوة المسلحة إلى عنصر مؤثر في المنافسة الانتخابية، ومن ثم فإن اشتراط حياد المؤسسة العسكرية خطوة مهمة، لكنه يحتاج إلى منظومة متكاملة تحدد العلاقة بين الخدمة العسكرية، والحق في الانتخاب، والحق في الترشح، ووقف الخدمة أو الاستقالة منها، وضمان عدم استعمال النفوذ العسكري في العملية الانتخابية.
وفي المقابل، فإن إلغاء الجولة الثانية الإلزامية متى تحقق الفوز بالأغلبية المطلقة لا يمثل، في ذاته، إشكالًا غير قابل للحل، وإنما هو من خيارات النظام الانتخابي التي يجوز للمشرع المختص اعتمادها أو تعديلها، والمشكلة ليست في مضمون الخيار الانتخابي وحده، وإنما في مصدر القاعدة التي تقرره.
أما إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، فهي من أكثر نقاط القوة في الاتفاق. فقد نصت المادة الأولى على إعادة تشكيل مجلس المفوضية، وتضمنت توصيات بشأن الرئيس ونائب الرئيس، كما أخذت في الاعتبار الإجراءات التي سبق أن اتخذها مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة بشأن تسمية عدد من أعضاء المجلس الجديد، وهذه نقطة إيجابية؛ لأن الاتفاق، في هذا الجانب، لم يبدأ من فراغ، وإنما حاول البناء على إجراءات مؤسسية قائمة. كما أن مسار الاجتماع المصغر نفسه نشأ، بحسب ما أعلنته البعثة، لمواجهة التعثر في الاتفاق بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة بشأن تشكيل مجلس المفوضية والإطار الانتخابي.
وهنا ينبغي الإقرار بأن الاتفاق يحمل عناصر قوة سياسية حقيقية؛ فهو يحاول نقل خارطة الطريق من مستوى الشعارات إلى برنامج عملي يتضمن مفوضية انتخابية، وإطارًا قانونيًا، وانتخابات تشريعية ورئاسية، وسلطة تنفيذية واحدة، ومؤسسات وطنية موحدة، وجدولًا زمنيًا لا يتجاوز أربعة وعشرين شهرًا، وتلك نقطة مهمة؛ لأن المرحلة الانتقالية إذا فقدت سقفها الزمني تحولت من وسيلة إلى غاية، وأصبح الانتقال ذاته نظامًا دائمًا.
غير أن المادة الرابعة تثير بدورها إشكالًا حين تربط إجراء الانتخابات بوجود سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة، ثم تنص على أنه إذا تعذر ذلك يعمل "الطرفان"، بالتعاون مع البعثة، على إيجاد الآلية المثلى للوصول إلى الاستحقاق الانتخابي. فمن هما "الطرفان" تحديدًا؟ وهل الآلية التي سيتم التوصل إليها مجرد توصية سياسية، أم أنها ملزمة؟ ومن يملك اعتمادها؟ وهل تحتاج إلى تشريع؟ وما حدود دور البعثة فيها؟ إن غموض هذه النقطة قد يفتح الباب لنزاع جديد عند مرحلة التنفيذ.
أما المجلس الأعلى للدولة، فإن إشراكه يعكس طبيعة الترتيبات السياسية التي نشأت في مرحلة ما بعد اتفاق الصخيرات، غير أن مشاركته في الاتفاق لا ينبغي أن تتحول إلى إنشاء سلطة تشريعية موازية، وفي المقابل لا يصح تجاهل دوره السياسي الذي ارتبط بالترتيبات الانتقالية، والحل القانوني الرشيد لا يكمن في إقصاء أي مؤسسة، وإنما في إبقاء كل مؤسسة داخل حدود اختصاصها، مع إنشاء آلية للتشاور والتوافق دون تحويل الحوار إلى سلطة ثالثة فوق المؤسسات.
ومن هنا يأتي اتفاق الصخيرات بوصفه مرجعية سياسية مهمة في قراءة المشهد الليبي؛ فقد أيده مجلس الأمن بالقرار (2259 لسنة 2015م)، ودعم من خلاله العملية السياسية الليبية والمؤسسات الناشئة عن الاتفاق. غير أن القيمة التاريخية لاتفاق الصخيرات لا تعني أن كل اتفاق لاحق يستطيع أن يستمد منه تفويضًا مفتوحًا بتجاوز المؤسسات الدستورية، بل إن المرجعية الأممية نفسها ارتبطت بمبدأ احترام سيادة ليبيا ووحدتها وبناء مؤسساتها،
والأمر ذاته ينطبق على بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا. فولاية البعثة، وفق قرارات مجلس الأمن، هي التيسير والدعم والمساعي الحميدة والمساعدة في العملية السياسية، مع احترام الملكية الليبية للعملية، وقد جدد مجلس الأمن ولاية البعثة حتى (31 أكتوبر 2026م) بموجب القرار (2796 لسنة 2025م)، وأكدت البعثة أن مهمتها تتمثل في تيسير عملية سياسية شاملة ودعم الاستقرار والمصالحة مع الاحترام الكامل للملكية الليبية.
وهذا يضع حدًا مهمًا ينبغي ألا يضيع في خضم الأزمة: الأمم المتحدة ميسِّرة للعملية السياسية الليبية، وليست سلطة تأسيسية بديلة عن الشعب الليبي أو مؤسساته. فالرعاية الدولية لا تعني الوصاية، والتيسير لا يعني التشريع، والمتابعة لا تعني الحكم. وإذا كانت المادة السادسة من الاتفاق تجعل أعضاء الاجتماع المصغر، بالتعاون مع البعثة، يضعون إطارًا لمتابعة جميع المسائل المتعلقة بتنفيذ الاتفاق، فإن ذلك ينبغي أن يُفهم في أضيق نطاقه باعتباره متابعة سياسية وتيسيرًا، لا إنشاء جهاز فوق مؤسسات الدولة.
وهنا تتأكد أهمية قرارات مجلس الأمن الخاصة بليبيا؛ إذ إن الشرعية الدولية لا تقف في مواجهة الشرعية الدستورية الوطنية، وإنما يفترض أن تساعد على تمكينها. فالقرار الأممي الذي يدعم العملية السياسية لا يجعل مجلس الأمن سلطة تشريعية داخل ليبيا، كما أن تأييد اتفاق سياسي لا يعني تلقائيًا تحويله إلى دستور أو قانون وطني. إن هناك فارقًا بين الاعتراف الدولي باتفاق سياسي ودعمه وبين إنشاء قاعدة دستورية وطنية من خارج آليات النظام الدستوري الليبي.
ومن هذه الزاوية فإن المادة الخامسة تستحق إعادة نظر جوهرية؛ لأنها تفتح الباب، عند تعذر موافقة مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة خلال شهر، لاعتماد الاتفاق دوليًا عبر مجلس الأمن بما يضمن التزام جميع الأطراف بما ورد فيه، ولا ينبغي التقليل من خطورة هذه الصياغة؛ لأن السؤال ليس ما إذا كان مجلس الأمن يستطيع اتخاذ قرار سياسي بشأن ليبيا، فهذا ثابت في إطار صلاحياته، وإنما السؤال الأدق: هل يستطيع قرار دولي أن يحل محل الآلية الدستورية الوطنية في إنشاء قاعدة دستورية ليبية؟ وهذه مسألة مختلفة تمامًا.
إن الإجابة التي يفرضها مبدأ السيادة الدستورية هي أن الدعم الدولي لا ينبغي أن يتحول إلى طريق مختصر لتجاوز المؤسسات الوطنية. فإذا تعذر التوافق بين المؤسسات الليبية، فإن ذلك قد يبرر تكثيف الوساطة الدولية، وطرح بدائل سياسية، وربما طلب موقف من مجلس الأمن، لكنه لا يعني تلقائيًا أن القرار الدولي يصبح بديلًا عن الشعب الليبي في ممارسة سلطته التأسيسية.
ولعل أخطر ما في الاتفاق، من هذه الزاوية، أنه لا يكتفي بوضع خارطة طريق، وإنما يقرر في المادة السابعة أن أحكامه تحل محل جميع الأحكام المخالفة في الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات، وهذه العبارة تحتاج، في تقديري، إلى إعادة صياغة كاملة؛ لأن الصياغة الأكثر اتساقًا مع دولة القانون هي "أن تلتزم الأطراف باتخاذ الإجراءات الدستورية والتشريعية اللازمة لتعديل أو إلغاء النصوص المتعارضة مع ما تم التوافق عليه، وفقًا للقواعد والإجراءات النافذة".
وهذا التعديل ليس مجرد تحسين لغوي، بل تصحيح للمسار الدستوري كله؛ فبدلًا من أن يقول الاتفاق: "أنا أحل محل القانون"، يقول: "أنا ألتزم بأن أعمل عبر المؤسسة التي تملك تعديل القانون"، وبدلًا من أن يصبح الاتفاق سلطة فوق المؤسسات، يصبح أداة لتفعيل المؤسسات.
وفي هذا تكمن المسألة الجوهرية كلها: هل جاء الاتفاق لإنهاء الانقسام المؤسسي، أم لإنشاء آلية سياسية فوق المؤسسات تستطيع تجاوزها؟ فإذا كان الهدف الأول، فهو جدير بالدعم والتطوير. أما إذا انتهى الأمر إلى الهدف الثاني، فإننا نكون قد انتقلنا من أزمة ازدواج السلطة إلى أزمة ازدواج مصادر الشرعية.
وإذا أردنا أن نكون منصفين، فلا يصح وصف الاتفاق بالبطلان المطلق لمجرد أنه اتفاق سياسي؛ إذ إن له قيمة سياسية مهمة، ويُمكن أن يكون إطارًا للتوافق، ومقدمة لاتخاذ الإجراءات التشريعية والدستورية اللازمة، وإنما ينبغي التمييز بين الاتفاق كتفاهم سياسي وبين الاتفاق كمصدر مباشر للقاعدة القانونية. في مستواه الأول يمكن أن يكون مشروعًا ومفيدًا؛ أما في مستواه الثاني فلا بد أن يمر كل حكم منه عبر مصدر الاختصاص الذي يقرره الدستور والقانون.
وهنا يظهر الفارق بين دولة المؤسسات ودولة التفاهمات. ففي دولة المؤسسات، يمكن أن يبدأ الإصلاح بتفاهم سياسي، لكن التفاهم ينتهي عند أبواب المؤسسة المختصة، حيث يتحول إلى تشريع أو تعديل دستوري أو قرار قانوني وفق الإجراءات المقررة. أما في دولة التفاهمات، فإن الاتفاق السياسي يبدأ بوصفه تفاهمًا وينتهي بوصفه مصدرًا للسلطة، فتتراجع المؤسسات لحساب الأشخاص الذين تفاوضوا، ويصبح توقيع الأطراف أقوى من النص الدستوري، وهي نتيجة لا يُمكن قبولها في دولة يفترض أنها تتجه إلى بناء نظام دستوري مستقر.
ومن هنا فإن قوة الاتفاق تكمن في أنه يحاول كسر الجمود وإعادة تحريك المسار الانتخابي، بينما تكمن نقطة ضعفه الأساسية في أنه قد يخلط بين التوافق على تعديل القواعد وبين امتلاك سلطة تعديلها.
إن الطريق الأكثر سلامة لا يكون برفض الاتفاق، ولا بإطلاق يده، وإنما بإعادة ضبطه داخل الإطار الدستوري؛ وذلك بإعادة صياغة المادة الخامسة بحيث يصبح اعتماد الاتفاق وطنيًا عبر المؤسسات المختصة، لا عبر آلية غير محددة تمنحه الصفة الدستورية؛ وإعادة صياغة المادة السابعة بحيث لا تقرر الإلغاء المباشر للقواعد المخالفة، وإنما تلزم المؤسسات المختصة باتخاذ الإجراءات القانونية والدستورية اللازمة؛ وتحديد حدود دور بعثة الأمم المتحدة بحيث تظل في إطار التيسير والمساعدة والمتابعة، دون أن تتحول إلى سلطة مقررة؛ وتحديد المركز القانوني لأعضاء الاجتماع المصغر ومدى تفويضهم؛ وتوضيح الجهة المختصة بتفسير الاتفاق وتنفيذ أحكامه وتسوية المنازعات الناشئة عنه؛ وتحديد معنى "الطرفين" الوارد في المادة الرابعة؛ وضمان أن أي تعديل في شروط الترشح أو النظام الانتخابي يتحول إلى قاعدة قانونية صادرة عن الجهة المختصة.
كما أن منح البرلمان المنتخب مستقبلًا سلطة معالجة مسائل الدستور الدائم ينبغي أن يحدد في إطار دستوري واضح، لأن الدستور ليس قانونًا عاديًا حتى يُفوض أمره إلى مؤسسة لم تتحدد بعد سلطاتها التأسيسية بصورة صريحة. فالمسألة هنا تتصل بتأسيس الدولة ذاتها، وبمن يملك الكلمة الأخيرة في تحديد شكلها ونظامها ومؤسساتها.
إن ليبيا لا تحتاج اليوم إلى نص سياسي جديد يضاف إلى ركام النصوص والترتيبات الانتقالية بقدر ما تحتاج إلى قاعدة واضحة تقول من يملك ماذا، ومن أين يستمد كل صاحب سلطة اختصاصه، وكيف تنتهي المرحلة الانتقالية، ومن يملك إعلان نهايتها. فالانتخابات ليست مجرد يوم اقتراع، وإنما هي سلسلة من الشرعيات تبدأ من القاعدة الدستورية، وتمر بالقانون الانتخابي، والهيئة المشرفة، والطعون، والنتائج، وتنتهي بقبول السلطة المنتخبة وتسليم السلطة إليها، وإذا اختل مصدر واحد من هذه السلسلة، فإن الانتخابات قد تصبح مدخلًا لنزاع جديد بدلًا من أن تكون مخرجًا من النزاع القديم.
وفي تقديري الشخصي؛ فإن المعيار الحقيقي لنجاح اتفاق (20 أغسطس 2026م) ليس أن ينجح الموقعون عليه في إعلان التوافق، ولا أن يحصل على تأييد دولي، وإنما أن يستطيع تحويل هذا التوافق إلى شرعية مؤسسية قابلة للحياة. فالشرعية الدولية سند مهم، والوساطة الأممية ضرورة في واقع الأزمة الليبية، والتوافق بين "بنغازي وطرابلس برضا أختهم فزان" حاجة وطنية لا غنى عنها، ولكن كل ذلك يجب أن يلتقي في النهاية عند قاعدة واحدة: أن الشعب الليبي هو مصدر الشرعية، وأن المؤسسات لا تستمد اختصاصها من الاتفاقات السياسية وإنما من القواعد الدستورية والقانونية التي تحكم الدولة.
ولعل أخطر ما ينبغي التحذير منه هو أن تتحول الرغبة المشروعة في إنهاء المرحلة الانتقالية إلى تأسيس مرحلة انتقالية جديدة أكثر تعقيدًا؛ إذ قد نجد أنفسنا أمام مفارقة تاريخية: اتفاق أُبرم من أجل إنهاء أزمة الشرعية، فإذا ببعض أحكامه تفتح نزاعًا حول مصدر شرعيته؛ واتفاق جاء لتوحيد المؤسسات، فإذا بآلياته تنشئ إطارًا جديدًا فوق المؤسسات؛ واتفاق يريد الوصول إلى الدستور الدائم، فإذا به يثير السؤال حول من يملك أصلًا سلطة صناعة الدستور.
ذلك هو المنطق في اللامعقول: أن نسعى إلى بناء دولة القانون بأداة قد تُضعف، إذا أسيء تطبيقها، قاعدة القانون؛ وأن نبحث عن الشرعية الانتخابية من خلال آلية قد تثير نزاعًا حول الشرعية الدستورية؛ وأن نستعين بالمجتمع الدولي لإنهاء التدخل الخارجي، ثم نجعل بعض الحلول رهينة بقرار خارجي؛ وأن نريد إنهاء المؤسسات الانتقالية، فننشئ ترتيبات سياسية انتقالية جديدة دون تحديد قاطع لحدودها ونهايتها.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي القول إن الاتفاق يُمكن أن يتحول إلى خطوة إيجابية إذا أعيد ضبطه قانونيًا، بحيث يكون إطارًا سياسيًا للتوافق لا دستورًا بديلًا، وخارطة طريق للمؤسسات لا سلطة فوق المؤسسات، وتفاهمًا يلتزم أصحابه بتحويله إلى قواعد قانونية عبر القنوات الدستورية، لا وثيقة تستمد قوتها من ذاتها.
فالقاعدة التي ينبغي أن تحكم المرحلة القادمة هي أن التوافق لا يعلو على الدستور، والدستور لا يُعدل بالتوافق المجرد، والقانون لا يُلغى بالاتفاق السياسي، ومجلس الأمن لا يحل محل السلطة التأسيسية للشعب الليبي، وبعثة الأمم المتحدة لا تتحول من ميسّر إلى حاكم، ومجلس النواب لا يجوز تجاوزه باسم التوافق كما لا يجوز له أن يتجاوز القواعد الدستورية باسم الضرورة السياسية.
إن ليبيا لا تحتاج إلى شرعية جديدة فوق شرعيتها، وإنما تحتاج إلى استعادة الشرعية من داخل مؤسساتها؛ ولا تحتاج إلى طريق مختصر يلتف على الدستور، وإنما إلى طريق واضح يعيد للدستور مكانته، وللقانون هيبته، وللانتخابات معناها، وللمؤسسات اختصاصها، وللشعب حقه الأصيل في أن يكون مصدر السلطات.
وهكذا، فإن القيمة الحقيقية لاتفاق (20 أغسطس 2026م) ستتحدد لا بما كتب في تونس، وإنما بما سيحدث بعد تونس: هل يتحول الاتفاق إلى جسر تعبر عليه ليبيا من الانقسام إلى دولة المؤسسات، أم يتحول إلى مؤسسة سياسية جديدة تعيد إنتاج الأزمة تحت مسمى آخر؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحًا أمام المشرّع، والقاضي، والباحث، والسياسي، وكل مواطن ليبي؛ لأن مستقبل الدولة لا تصنعه حُسن النيات وحدها، وإنما تصنعه شرعية الوسيلة بقدر ما تصنعه مشروعية الغاية.
"اتفاق 20 أغسطس 2026 بين التوافق السياسي والشرعية الدستورية" [قراءة نقدية في حدود سلطة الأطراف ودور بعثة الأمم المتحدة ومجلس الأمن في ليبيا] بقلم المستشار الدكتور مسعود شلندي
إضافة تعليق جديد